عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )
3296
بغية الطلب في تاريخ حلب
فأوحى الله إليه يا موسى إنك ستراه فلم يلبث موسى إلا يسيرا حتى أتاه الخضر عليهما السلام وهو طيب الريح حسن بياض الثياب مشمرها فقال السلام عليك ورحمة الله يا موسى بن عمران إن ربك عز وجل يقرئك السلام قال ورحمة الله وبركاته قال موسى عليه السلام هو السلام ومنه السلام والحمد لله رب العالمين لا أحصي نعمه ولا أقدر على أداء شكره إلا بمعونته ثم قال موسى أريد أن توصيني بوصية ينفعني الله بها بعدك قال الخضر يا طالب العلم إن القائل أقل ملالة من المستمع فلا تمل جلساءك إذا حدثتهم واعلم أن قلبك وعاء فانظر ماذا تحشو به وعاءك وأعزف عن الدنيا وانبذها وراءك فإنها ليست لك بدار ولا لك فيها محل ولا قرار وإنما جعلت بلغة للعباد ولتزودوا منها للمعاد يا موسى وطن نفسك على الصمت تلقى الحكمة وأشعر قلبك التقوى تنل العلم ورض نفسك على الصبر تخلص من الإثم يا موسى تفرغ للعلم إن كنت تريده فإنما العلم لمن تفرغ له ولا تكونن مكاثرا بالمنطق مهذارا فإن كثرة المنطق يشين العلماء ويبدي مساوئ السخط وليكن عليك بالاقتصاد فإن ذلك من التوفيق والسداد وأعرض عن الجاهل واحلم عن السفهاء فإن ذلك فعال الحكماء وزين العلماء وإذا شتمك الجاهل فاسكت عنه حليما وجانبه حزما فإن ما بقي من جهله عليك وشتمه إياك أكثر وأعظم يا بن عمران ولا ترى أنك أوتيت من العلم إلا قليلا فإن الانكلاف والتعسف من الإقحام والتكلف يا بن عمران لا تفتحن بابا لا تدري ما غلقه ولا تغلقن بابا لا تدري ما فتحه يا بن عمران من لا تنتهي من الدنيا نهمته ولا تنقضي منها رغبته كيف يكون عابدا ومن يحقر حاله ويتهم الله عز وجل فيما قضى له كيف يكون زاهدا هل يكف عن الشهوات من قد غلب عليه هواه أو ينفعه طلب العلم والجهل قد حواه لأن سفره إلى آخرته وهو مقبل على دنياه يا موسى تعلم ما تعلمت لتعمل به ولا تعلمه لتحدث به فيكون عليك بوره ويكون لغيرك نوره يا موسى اجعل الزهد والتقوى لباسك والعلم والذكر كلامك واستكثر من الحسنات فإنك مصيب السيئات وزعزع ما بالخوف قلبك فإن ذلك يرضي ربك واعمل خيرا فإنك لا بد عامل شرا وقد وعظت إن حفظت قال فتولى الخضر عليه السلام حزينا مكبوتا ينظر